الْأَكْثَرِينَ .
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَجْهُولَةٌ ، وَجُزْؤُهَا مَجْهُولٌ ، وَمِنْ شَرْطِ الصُّلْحِ الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ ، وَلِأَنَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا .
وَوَجْهُ الْأَوَّل ، أَنَّ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ فِي الْأَمْلَاكِ ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، وَفِي الْقَطْعِ إتْلَافٌ ، فَجَازَ مَعَ الْجَهَالَةَ ، كَالصُّلْحِ عَلَى مَجْرَى مِيَاهِ الْأَمْطَارِ ، وَالصُّلْحِ عَلَى الْمَوَارِيثِ الدَّارِسَةِ ، وَالْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهَا ، وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا يَصِحُّ ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبِيحُ صَاحِبَهُ مَا بَذَلَ لَهُ ، فَصَاحِبُ الْهَوَاءِ يُبِيحُ صَاحِبَ الشَّجَرَةِ إبْقَاءَهَا ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا وَإِزَالَتِهَا ، وَصَاحِبُ الشَّجَرَةَ يُبِيحُهُ مَا بَذَلَ لَهُ مِنْ ثَمَرَتهَا ، وَلَا يَكُونُ هَذَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ بِمَعْدُومٍ وَلَا مَجْهُولٍ ، وَالثَّمَرَةُ فِي حَالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَةٌ مَجْهُولَةٌ ، وَلَا هُوَ لَازِمٌ ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَمَّا بَذَلَهُ ، وَالْعَوْدُ فِيمَا قَالَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: اُسْكُنْ دَارِي ، وَأَسْكُنُ دَارَك .
مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ، وَلَا ذِكْرِ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ ، أَوْ قَوْلِهِ: أَبَحْتُك الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَةِ بُسْتَانِي ،
فَأَبِحْنِي الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَة بُسْتَانِك .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعْنِي أُجْرِي فِي أَرْضِك مَاءً ، وَلَك أَنْ تَسْقِيَ بِهِ مَا شِئْت ، وَتَشْرَبَ مِنْهُ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَثِيرًا ، وَفِي إلْزَامِ الْقَطْعِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ ، وَإِتْلَافُ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، وَفِي التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَصِلُ إلَى صَاحِبِ الْهَوَاءِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَنَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ ، وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ ، فَكَانَ أَوْلَى .
فَصْلٌ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا امْتَدَّ مِنْ عُرُوقِ شَجَرَةِ إنْسَانٍ إلَى أَرْضِ جَارِهِ ، سَوَاءٌ أَثَّرَتْ ضَرَرًا مِثْلُ تَأْثِيرِهَا فِي الْمَصَانِعِ ، وَطَيِّ الْآبَارِ ، وَأَسَاسِ الْحِيطَانِ أَوْ مَنْعِهَا مِنْ