كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ قَوْلِ الْمَيِّتِ ، أَوْ إقْرَارِ الْوَارِثِينَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِإِقْرَارِهِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ ، كَالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِالدَّيْنِ مَعَ غَيْرِهِ تُقْبَلُ ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .
فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا بَيْنَهُمَا ، مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَا: وَرِثْنَاهَا أَوْ ابْتَعْنَاهَا مَعًا .
فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا لَأَحَدِهِمَا ، فَذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا أَنَّ الدَّارَ لَهُمَا مُشَاعَةً ، فَإِذَا غَصَبَ غَاصِبٌ نِصْفَهَا ، كَانَ مِنْهُمَا ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا ادَّعَيَا شَيْئًا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ ، بَلْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِمَا ادَّعَاهُ ، لَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ ، وَكَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِالِاشْتِرَاكِ ، فَإِنْ أَقَرَّ لَأَحَدِهِمَا بِالْكُلِّ ، وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ يَعْتَرِفُ لِلْآخَرِ بِالنِّصْفِ ، سَلَّمَهُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ ، وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ ، إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهَا ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ ، فَيَثْبُتُ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَرَفَ لِلْآخَرِ ، وَادَّعَى جَمِيعَهَا أَوْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، فَهُوَ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَهَا وَلَمْ يَدَّعِ إلَّا نِصْفَهَا ؟ قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى ، بَلْ مَتَى أَقَرَّ الْإِنْسَانُ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، ثَبَتَ ، وَقَدْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ هَاهُنَا فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ دَعْوَاهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى دَعْوَى أَلْفٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ حُجَّةً بِهِ ، أَوْ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهِ ، فَادَّعَى النِّصْفَ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ .
فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي إقْرَارِهِ بِالنِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَدَّعِهِ ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لِلْآخَرِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا: يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيه .
الثَّانِي ، يَنْزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ