وَمَالِكٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالْخَرْصِ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا ، فَيُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ ، لِيُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَكْلِ الثَّمَرَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا ، ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ مِنْهَا عَلَى مَا خُرِصَ ، وَلِأَنَّ ثَمَرَةَ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ ظَاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ ، فَخَرْصُهَا أَسْهَلُ مِنْ خَرْصِ غَيْرِهَا ، وَمَا عَدَاهُمَا فَلَا يُخْرَصُ .
وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ الْأَمَانَةُ إذَا صَارَ مُصَفًّى يَابِسًا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ .
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّا يَأْكُلُ أَرْبَابُ الزُّرُوعِ مِنْ الْفَرِيكِ ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَأْكُلُهُ أَرْبَابُ الثِّمَارِ مِنْ ثِمَارِهِمْ ، فَإِذَا صُفِّيَ الْحَبُّ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَوْجُودِ كُلِّهِ ، وَلَمْ يُتْرَكْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُرِك لَهُمْ فِي الثَّمَرَةِ شَيْءٌ لِكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلَى أَكْلِهَا رَطْبَةً ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ ، وَفِي الزَّرْعِ إنَّمَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، لَا وَقْعَ لَهُ .
فَصْلٌ: وَلَا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ ، وَلَا غَيْرُ النَّخْلَ وَالْكَرْمِ ؛ لِأَنَّ حَبَّهُ مُتَفَرِّقٌ فِي شَجَرِهِ ، مَسْتُورٌ بِوَرَقِهِ ، وَلَا حَاجَةَ بِأَهْلِهِ إلَى أَكْلِهِ ، بِخِلَافِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ ، فَإِنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مُجْتَمِعَةٌ فِي عُذُوقِهِ ، وَالْعِنَبِ فِي عَنَاقِيدِهِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ الْخَرْصُ عَلَيْهِ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى أَكْلِهِمَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهِمَا .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ: يُخْرَصُ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَيُخْرَصُ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ .
وَلَنَا: أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي خَرْصِهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .
فَصْلٌ: وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ لِلزَّكَاةِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ الْكَمَالِ وَحَالُ الِادِّخَارِ .
وَالْمُؤْنَةُ الَّتِي تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ إلَى حِينِ الْإِخْرَاجِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كَالْمَاشِيَةِ ، وَمُؤْنَةُ الْمَاشِيَةِ وَحِفْظُهَا وَرَعْيُهَا ، وَالْقِيَامُ