ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ ، فَلَهُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَقْصَى حَائِطِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ لَهُمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ حَائِطِهِ ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِنَاءٍ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا لَهُ فِيهِ اسْتِطْرَاقٌ .
وَالثَّالِثُ ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ لَهُمَا جَمِيعًا يَدًا وَتَصَرُّفًا .
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ لِرَجُلِ عُلْوُ خَانٍ ، وَلِآخَرَ سُفْلُهُ ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ دَرَجَةٌ فِي أَثْنَاءِ صَحْنِ الْخَانِ ، فَاخْتَلَفَا فِي الصَّحْنِ ، فَمَا كَانَ مِنْ الدَّرَجَةِ إلَى بَابِ الْخَانِ بَيْنَهُمَا ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ إلَى صَدْرِ الْخَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا هُوَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ .
وَالثَّانِي هُوَ بَيْنَهُمَا .
فَإِنْ كَانَتْ الدَّرَجَةُ فِي صَدْرِ الصَّحْنِ ، فَالصَّحْنُ بَيْنَهُمَا ؛ لِوُجُودِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ مِنْهُمَا جَمِيعًا .
فَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ: إنْ صَدْرَ الدَّرْبِ مُخْتَصٌّ بِصَاحِبِ الْبَابِ الصَّدْرَانِيِّ .
لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهُ ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ دِهْلِيزًا لِنَفْسِهِ ، أَوْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِجَارِهِ ، وَلَا يَضَعُ عَلَى حَائِطِهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُ يَنْفَرِدُ بِهِ .
فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِجَارِهِ ، نَحْو أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ حَمَّامًا بَيْنَ الدُّورِ ، أَوْ يَفْتَحَ خَبَّازًا بَيْنَ الْعَطَّارِينَ ، أَوْ يَجْعَلَهُ دُكَّانَ قِصَارَةٍ يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيُخَرِّبُهَا ، أَوْ يَحْفِرَ بِئْرًا إلَى جَانِبِ بِئْرِ جَارِهِ يَجْتَذِبُ مَاءَهَا .
وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَة أُخْرَى: لَا يُمْنَعُ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ طَبَخَ فِي دَارِهِ أَوْ خَبَزَ فِيهَا ، وَسَلَّمُوا أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الدَّقِّ الَّذِي يَهْدِمُ الْحِيطَانَ وَيَنْثِرُهَا .
وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَلِأَنَّ هَذَا إضْرَارٌ بِجِيرَانِهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَالدَّقِّ الَّذِي يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيَنْثِرُهَا ، وَكَسَقْيِ الْأَرْضِ الَّذِي يَتَعَدَّى إلَى هَدْمِ