وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى مَجْهُولٍ ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ عَلَى مَجْهُولٍ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دُرِسَتْ: { اسْتِهِمَا ، وَتَوَخَّيَا ، وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ } .
وَهَذَا صُلْحٌ عَلَى الْمَجْهُولِ .
وَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الصُّلْحُ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِمْكَانِ أَدَاءِ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ ، فَلَأَنْ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ أَوْلَى ، وَذَلِكَ
لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَلَهُمَا طَرِيقٌ إلَى التَّخَلُّصِ وَبَرَاءَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ بِدُونِهِ ، وَمَعَ الْجَهْلِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ أَفْضَى إلَى ضَيَاعِ الْمَالِ ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَالٌ لَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ .
وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ بَيْعًا ، وَلَا فَرْعَ بَيْعٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إبْرَاءٌ .
وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ بَيْعًا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِدَلِيلِ بَيْعِ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، وَطَيِّ الْآبَارِ ، وَمَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَ رَجُلٌ صُبْرَةَ طَعَامٍ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا ، فَقَالَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لِمُتْلِفِهِ: بِعْتُك الطَّعَامَ الَّذِي فِي ذِمَّتِك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، أَوْ بِهَذَا الثَّوْبِ .
صَحَّ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الصُّلْحِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، كَالْمُخْتَصِمِينَ فِي مَوَارِيثَ دَارِسَةٍ ، وَحُقُوقٍ سَالِفَةٍ ، أَوْ عَيْنٍ مِنْ الْمَالِ لَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهَا ، صَحَّ الصُّلْحُ مَعَ الْجَهَالَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِهِ ، لَمْ يَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، وَتُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الصُّلْحِ ( 3506 )
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا يُمْكِنُهُمَا مَعْرِفَتُهُ ، كَتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ ، أَوْ يَعْلَمُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ ، وَيَجْهَلُهُ صَاحِبُهُ ، فَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مَعَ الْجَهْلِ .
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ صُولِحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ