الْكَلَامُ فِيهِ ، أَوْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى بِكَلَامِ أَجْنَبِيٍّ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ أَوْ عَدَلَ عَنْ إقْرَارِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ ، وَيَنْتَظِرُ مَا يَتِمُّ بِهِ كَلَامُهُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْعَطْفِ وَالْبَدَلِ وَنَحْوِهِ .
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ رَفَعَ الْكُلَّ ، فَلَوْ صَحَّ صَارَ الْكَلَامُ كُلُّهُ لَغْوًا غَيْرَ مُفِيدٍ ، فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا .
أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَدِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ .
أَوْ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفًا ، أَوْ إلَّا دِرْهَمًا .
أَوْ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ إلَّا خَمْسَةً .
لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَلَزِمَهُ جَمِيعُ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ ، وَتَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، عَادَ إلَى جَمِيعِهَا ، كَقَوْلِنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا: } إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَادَ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ ، فَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَمْ تُخْرِجْ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُمْلَتَيْنِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ إحْدَاهُمَا جَمِيعًا ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي كَلَامِهِمْ ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَجْعَلُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَغْوًا ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ شَيْئًا بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ ، ثُمَّ رَفَعَهُ كُلَّهُ ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلَى بَعْضِهَا ، فَأَمَّا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَرْفَعْ إحْدَى