فَعَلَهُ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعًا لِلْمَالِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَإِفْرَاطًا فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ أَشْبَهَ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ لِهَذَا الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّمَا لَمْ يُبْرَزْ قَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْقُبُورِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهَا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ بِالسُّجُودِ لَهَا ، وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهَا ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ تَعْظِيمُ الْأَمْوَاتِ ، بِاتِّخَاذِ صُوَرِهِمْ ، وَمَسْحِهَا ، وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا .
فَصْلٌ: وَالدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ ، وَأَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ .
وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبَرُونَ فِي الصَّحَارِي .
فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِرَ فِي بَيْتِهِ ، وَقُبِرَ صَاحِبَاهُ مَعَهُ ؟ قُلْنَا: قَالَتْ عَائِشَةُ إنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي الْبَقِيعِ ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ .
وَلِأَنَّهُ رُوِيَ:"يُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ"وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ .