أَوْ مِلْكِ مَا يَحْصُلُ بِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ الْبَاذِلُ أَجْنَبِيًّا ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَلَا ثَمَنِهِمَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ ، كَمَا لَوْ بَذَلَ لَهُ وَالِدُهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنَّةٌ ، وَلَوْ سَلَّمْنَاهُ فَيَبْطُلُ بِبَذْلِ الْوَالِدَةِ ، وَبَذْلِ مَنْ لِلْمَبْذُولِ عَلَيْهِ أَيَادٍ كَثِيرَةٌ وَنِعَمٌ .
فَصْلٌ: وَمَنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَمْشِيَ وَيَكْتَسِبَ بِصِنَاعَةٍ كَالْخَرَزِ ، أَوْ مُعَاوَنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَكْتَرِي لِزَادِهِ ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } فَقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجَالِ .
وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ .
وَإِنْ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ ، كُرِهَ لَهُ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ ، وَيَحْصُلُ كَلًّا عَلَيْهِمْ فِي الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُهُ .
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ ؟ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ ، هَذَا يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ .
فَصْلٌ: وَيَخْتَصُّ اشْتِرَاطُ الرَّاحِلَةِ بِالْبَعِيدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، فَأَمَّا الْقَرِيبُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ ، فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهَا مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ ، يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا ، فَلَزِمَهُ ، كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ ، اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْحُمُولَةِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْمَشْيِ ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ .
وَأَمَّا الزَّادُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ زَادًا ، وَلَا قَدَرَ عَلَى كَسْبِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ .