مَسَافَةُ الطَّرِيقِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ فِي تَرْكِ الطَّلَبِ ظَاهِرٌ ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى الشَّهَادَةِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِشْهَادِ فِي سَفَرِهِ ، أَنَّ شُفْعَتَهُ لَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الطَّلَبَ لِعُذْرٍ أَوْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ فَأَخَّرَهُ ، كَانَ كَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ لِلشُّفْعَةِ ، إنْ كَانَ لِعُذْرٍ لَمْ
تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلَبِ ، وَنَائِبٌ عَنْهُ ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلطَّلَبِ .
وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى إشْهَادِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ ، فَتَرَكَ الْإِشْهَادَ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ بِتَرْكِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ إشْهَادُهُمْ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ .
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُشْهِدُهُ إلَّا مَنْ لَا يَقْدَمُ مَعَهُ إلَى مَوْضِعِ الْمُطَالَبَةِ ، فَلَمْ يُشْهِدْ ، فَالْأَوْلَى أَنَّ شُفْعَتَهُ لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ إشْهَادَهُ لَا يُفِيدُ ، فَأَشْبَهَ إشْهَادَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَسْتُورَيْ الْحَالِ ، فَلَمْ يُشْهِدْهُمَا ، احْتَمَلَ أَنْ تَبْطُلَ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالتَّزْكِيَةِ ، فَأَشْبَهَا الْعَدْلَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِ شَهَادَتِهِمَا إلَى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ أَشْهَدَهُمَا لَمْ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ ، سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا أَوْ لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الْإِشْهَادِ .
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى إشْهَادِ وَاحِدٍ ، فَأَشْهَدَهُ ، أَوْ تَرَكَ إشْهَادَهُ .
فَصْلٌ: إذَا أَشْهَدَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْقُدُومَ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الشُّفْعَةَ بِحَالِهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَسِيرِ ، وَقَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي طَلَبِهَا ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، بَطَلَتْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ بِهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، فَسَقَطَتْ ، كَالْحَاضِرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُشْهِدْ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ لَهُمْ فِيمَا إذَا قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا بِأَنْ