مِنْ دَهْنِ الرَّأْسِ: فِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلشُّعْثِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُطَيِّبًا .
وَلَنَا ، أَنَّ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ مِنْ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطِّيبِ ، فَإِنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ ، وَإِنْ لَمْ يُزِلْ شُعْثًا ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّأْسُ وَغَيْرُهُ ، وَالدُّهْنُ بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَدَيْنِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّأْسِ ، كَالْمَاءِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: ( وَلَا يَتَعَمَّدُ لِشَمِّ الطِّيبِ )
أَيْ لَا يَقْصِدُ شَمَّهُ مِنْ غَيْرِهِ بِفِعْلٍ مِنْهُ ، نَحْوِ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ الْعَطَّارِينَ لِذَلِكَ ، أَوْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ حَالَ تَجْمِيرِهَا ، لِيَشُمَّ طِيبَهَا ، أَوْ يَحْمِلَ مَعَهُ عُقْدَةً فِيهَا مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَهَا .
قَالَ أَحْمَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَجُوزُ هَذَا ؟ وَأَبَاحَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ ، إلَّا الْعُقْدَةَ تَكُونُ مَعَهُ يَشُمُّهَا ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ يَشُمُّ الطِّيبَ مِنْ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ شَمَّ الطِّيبَ قَاصِدًا مُبْتَدِئًا بِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، فَحُرِّمَ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَصْدَ شَمُّهُ لَا مُبَاشَرَتُهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَّ الْيَابِسَ الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَوْ رَفَعَهُ بِخِرْقَةٍ وَشَمَّهُ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَلَوْ لَمْ يُبَاشِرْهُ ، فَأَمَّا شَمُّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَالْجَالِسِ عِنْدَ الْعَطَّارِ لِحَاجَتِهِ ، وَدَاخِلِ السُّوقِ ، أَوْ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا ، وَمَنْ يَشْتَرِي طِيبًا لِنَفْسِهِ وَلِلتِّجَارَةِ وَلَا يَمَسُّهُ ، فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذَا ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ .