الْمَنَاسِكِ ، لَمَا دَخَلَهُ التَّفْضِيلُ ، كَالْمُبَاحَاتِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ فِي جَمِيعِ حَجِّهِمْ وَعُمَرِهِمْ ، وَلَمْ يُخِلُّوا بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ ، بَلْ لَمْ يَفْعَلُوهُ إلَّا نَادِرًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِمْ ، فَيَفْعَلُوهُ عَادَةً ، وَلَا فِيهِ فَضْلٌ ، فَيَفْعَلُوهُ لِفَضْلِهِ .
وَأَمَّا أَمْرُهُ بِالْحِلِّ ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْحِلُّ بِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحِلُّ مِنْ الْعِبَادَةِ بِمَا كَانَ مُحَرَّمًا فِيهَا ، كَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ .
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ ، فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا ، لَا دَمَ عَلَيْهِ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
وَلَمْ يَتَبَيَّنْ آخِرَهُ ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ .
وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ إلَى وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ السَّعْيَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ ، عَنْ مَحِلِّهِ ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ .
وَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ ، كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ .
فَصْلٌ: وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ