لِأَنَّ الْخِيَارَ يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إلْزَامِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَجْهُولِ ، فَيُفْضِي إلَى الضَّرَرِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِذَلِكَ .
وَهَلْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .
فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الرُّؤْيَةُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ ، فَبَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ ، فَلَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا لَهُ الْخِيَارَ لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ لَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ .
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ ، فَبَانَ غَيْرَ مَعِيبٍ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ جَاهِلٌ بِصِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ ، فَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَإِنَّهُ قَوْلُ جُبَيْرٍ وَطَلْحَةَ ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا عُثْمَانُ ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَى مِنْهُمَا ، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الرِّضَى مِنْهُمَا .
فَصْلٌ: وَإِذَا وَصَفَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي ، فَذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ السَّلَمِ ، صَحَّ بَيْعُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهُ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَا كَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعٌ بِالصِّفَةِ ، فَصَحَّ كَالسَّلَمِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِالصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ ظَاهِرًا ، وَهَذَا يَكْفِي ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي السَّلَمِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ الِاطِّلَاعُ عَلَى الصِّفَاتِ الْخَفِيَّةِ ، وَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ السَّلَمْ فِيهِ ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ