وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفُ لَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ ، كَالسَّلَمِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِالصِّفَةِ ، عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ ، وَلَا
يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنِّكَاحُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمُعَاوَضَةُ ، وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ ، وَلَا يُتْرَكُ ذِكْرُهُ ، وَلَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْخِيَارَات .
وَفِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُخَدَّرَات وَإِضْرَارٌ بِهِنَّ .
عَلَى أَنَّ الصِّفَات الَّتِي تُعْلَمُ بِالرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ بِالنِّكَاحِ ، فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ } .
وَالْخِيَارُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ .
قُلْنَا: هَذَا يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيم الْكُرْدِيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْبَيْعِ ، كَدَاخِلِ الثَّوْبِ ، وَشَعْرِ الْجَارِيَةِ ، وَنَحْوِهِمَا .
فَلَوْ بَاعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ، أَوْ عَيْنًا حَاضِرَةً ، لَا يُشَاهَدُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ ، كَانَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ .
وَإِنْ حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ، وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ لَزِمَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا .
وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ الَّذِي وُجِدَتْ الرُّؤْيَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَبَتَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ .
وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ ، كَحَالَةِ الرُّؤْيَةِ .
وَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ ، لَمْ يَلْزَمْ ؛