إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَإِسْحَاقُ .
قَالَ: وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ أَسَلَفَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا ، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، فِي"الْمُتَرْجَمِ".
وَقَالَ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِهَذَا الْبَيْعِ .
وَلِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ ، لَمْ يُؤْمَنْ انْقِطَاعُهُ وَتَلَفُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالِ مُعَيَّنٍ ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، أَوْ أَحْضَرَ خِرْقَةً ، وَقَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي مِثْلِ هَذِهِ .
فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حَالِ السَّلَمِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الرُّطَبِ فِي أَوَانِ الشِّتَاءِ ، وَفِي كُلِّ مَعْدُومٍ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْمَحَلِّ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ جِنْسُهُ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ زَمَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِلْمُسْلِمِ فِيهِ لِمَوْتِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ فِيهِ كَالْمَحِلِّ وَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ ، فَقَالَ: مَنْ أَسَلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } .
وَلَمْ يَذْكُرْ الْوُجُودَ ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَذَكَرَهُ ، وَلَنَهَاهُمْ عَنْ السَّلَفِ سَنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْقِطَاعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْسَطِ السَّنَةِ ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، وَيُوجَدُ فِي مَحِلِّهِ غَالِبًا ، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْمَوْجُودِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْوُجُودَ ، إذْ لَوْ لَزِمَ أَفْضَى إلَى أَنْ تَكُونَ آجَالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً ، وَالْمَحِلُّ مَا جَعَلَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مَحِلًّا ، وَهَا هُنَا لَمْ يَجْعَلَاهُ .
فَصْلٌ: إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ ، إمَّا لِغَيْبَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ ، حَتَّى عَدِمَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ الثِّمَارُ تِلْكَ السَّنَةَ ، فَالْمُسْلِمُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا ، أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَإِلَّا قِيمَتَهُ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ،