فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ إلَى اللَّيْلِ أَوْ الْغَدِ ، لَمْ يَدْخُلْ اللَّيْلُ وَالْغَدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَدْخُلَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ"إلَى"تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى"مَعَ"، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } ، { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } ، وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ بِيَقِينِ ، فَلَا نُزِيلُهُ بِالشَّكِّ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَوْضُوعَ"إلَى"لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ ، فَلَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } .
وَكَالْأَجَلِ .
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ .
أَوْ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ .
لَمْ يَدْخُلْ الدِّرْهَمُ الْعَاشِرُ ، وَالطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَكٌّ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَوْضُوعِهِ ، فَكَأَنَّ الْوَاضِعَ قَالَ: مَتَى سَمِعْتُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ، فَافْهَمُوا مِنْهَا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ .
وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي اسْتَشْهَدُوا بِهَا ، حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى"مَعَ"بِدَلِيلِ ، أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا ، كَمَا تُصْرَفُ سَائِرُ حُرُوفِ الصِّلَاتِ عَنْ مَوْضُوعِهَا لِدَلِيلٍ ، وَالْأَصْلُ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ الْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِيمَا اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ ، فَيَثْبُتُ مَا يُتَيَقَّنُ مِنْهُ ، وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ رَدَدْنَاهُ إلَى الْأَصْلِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ بِطُلُوعِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَغَيَّمُ ، فَلَا يُعْلَمُ وَقْتُ طُلُوعِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْخِيَارِ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ مَعْلُومٍ ، فَصَحَّ ، كَتَعْلِيقِهِ بِغُرُوبِهَا .
وَطُلُوعُ الشَّمْسِ ، بُرُوزُهَا مِنْ الْأُفُقِ ، كَمَا أَنَّ غُرُوبَهَا سُقُوطُ الْقُرْصِ .
وَلِذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ ، أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ ، بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَقَعَ بِبُرُوزِهَا مِنْ الْأُفُقِ .
وَإِنْ عَرَضَ غَيْمٌ يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِطُلُوعِهَا ، فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ طُلُوعُهَا ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِغُرُوبِهَا ، فَمَنَعَ الْغَيْمُ الْمَعْرِفَةَ بِوَقْتِهِ .
وَلَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ إلَى طُلُوعِ