فَصْلٌ: وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ وَالْمَنَافِعُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَمْلِيكُهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتُضْمَنُ بِالْيَدِ وَالْإِتْلَافِ ، وَيَكُونُ عِوَضُهَا عَيْنًا وَدَيْنًا وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِاسْمٍ كَمَا اخْتَصَّ بَعْضُ الْبُيُوعِ بِاسْمٍ ، كَالصَّرْفِ ، وَالسَّلَمِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لَهَا .
وَهَلْ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، تَنْعَقِدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَانْعَقَدَتْ بِلَفْظِهِ ، كَالصَّرْفِ .
وَالثَّانِي لَا تَنْعَقِدُ بِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى خَاصًّا ، فَافْتَقَرَتْ إلَى لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُضَافُ إلَى الْعَيْنِ الَّتِي يُضَافُ إلَيْهَا الْبَيْعُ إضَافَةً وَاحِدَةً ، فَاحْتِيجَ إلَى لَفْظٍ يُعْرَفُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ، كَالْعُقُودِ الْمُتَبَايِنَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُخَالِفُ الْبَيْعَ فِي الْحُكْمِ وَالِاسْمِ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ .
فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فِي الْحَيَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .
مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَقَدْ مَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ ، وَمُلِّكَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً ، فِي وَقْتِ الْعَقْدِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا أَجَلًا )
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَحْكَامٍ سِتَّةٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ؛ لِأَنَّهَا الْمَوْجُودَةُ ، وَالْعَقْدُ يُضَافُ إلَيْهَا ، فَيَقُولُ: أَجَرْتُك دَارِي كَمَا يَقُولُ: بِعْتُكَهَا وَلَنَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُسْتَوْفَى