إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَصَاحِبُ الضِّرْسِ أَعْلَمُ بِمَضَرَّتِهِ ، وَمَنْفَعَتِهِ ، وَقَدْرِ أَلَمِهِ .
فَصْلٌ: وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، كَخِيَاطَةٍ ، أَوْ بِنَاءٍ أَوْ قَلْعِ ضِرْسٍ ، فَبَذَلَ الْأَجِيرُ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الْمُسْتَأْجِرُ ، لَمْ تَسْتَقِرَّ الْأُجْرَةُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهَا بِالْبَذْلِ ، كَالصَّدَاقِ لَا يَسْتَقِرُّ بِبَذْلِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا .
وَيُفَارِقُ حَبْسَ الدَّابَّةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي صِحَّةِ اسْتِئْجَارِ الرَّاعِي ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ: { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إنَّمَا آجَرَ نَفْسَهُ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَاشِيَةِ ، مَا لَمْ يَتَعَدَّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ الرَّاعِيَ وَلَنَا أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حِفْظِهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، كَالْمُودَعِ ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ قَبَضَهَا بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ .
فَأَمَّا مَا تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ ، فَيَضْمَنُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، مِثْلُ أَنْ يَنَامَ عَنْ السَّائِمَةِ ، أَوْ يَغْفُلَ عَنْهَا ، أَوْ يَتْرُكَهَا تَتَبَاعَدُ مِنْهُ ، أَوْ تَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ وَحِفْظِهِ ، أَوْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا يُسْرِفُ فِيهِ ، أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ ،