فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: { لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } .
أَيْ لَمْ يَدْفَعْ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، أَيْ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ .
قُلْنَا هَذَا فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا ، أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ { لَمْ يَنْجُسْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْقِلَّةِ يَنْجُسُ لَكَانَ مَا فَوْقَهُمَا لَا يَنْجُسُ ، لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ فَصْلًا بَيْنَ مَا يَتَنَجَّسُ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ ؛ فَلَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْقَ فَصْلٌ .
الثَّالِثُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ .
أَيْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا ؟ قَالَ: أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحْدِيدٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا ، وَمَا اُعْتُبِرَ احْتِيَاطًا كَانَ وَاجِبًا ، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ كَالْعَدَدِ فِي الْغَسَلَاتِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا تَقْدِيرَ الْقِلَالِ لَمْ يَضْبِطُوهُمَا بِحَدٍّ ، إنَّمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ: أَظُنُّهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ .
وَهَذَا لَا تَحْدِيدَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قَرَّبَا الْأَمْرَ ، وَالشَّيْءُ