أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي .
وَهَذِهِ قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُهَا ، وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا .
وَلِأَنَّ هَذَا سَفِيهٌ ، فَيَحْجُرُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا ؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ سَفِيهًا سَفَهُهُ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلِأَنَّ السَّفَهَ لَوْ قَارَنَ الْبُلُوغَ مَنَعَ دَفْعَ مَالِهِ إلَيْهِ ، فَإِذَا حَدَثَ ، أَوْجَبَ انْتِزَاعَ الْمَالِ كَالْجُنُونِ .
وَفَارَقَ الرَّشِيدَ ؛ فَإِنَّ رُشْدَهُ لَوْ قَارَنَ الْبُلُوغَ لَمْ يَمْنَعْ دَفْعَ مَالِهِ إلَيْهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَبْذِيرِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الْحَجْرِ ، فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ .
وَلَنَا: أَنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ ، وَيُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، فَإِذَا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّهُ حَجْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ ، وَفَارَقَ الْجُنُونَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَمَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ عَادَ فَرَشَدَ ، فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ .
وَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَزُولُ السَّفَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْحَجْرِ ، فَيَزُولُ بِزَوَالِهِ ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِهِ ، كَحَجْرِ الْمُفْلِسِ ، وَلِأَنَّ الرُّشْدَ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَاجْتِهَادٍ فِي مَعْرِفَتِهِ ، وَزَوَالِ تَبْذِيرِهِ ، فَكَانَ كَابْتِدَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ .
وَفَارَقَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ؛ فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ .
وَلِأَنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا تَصَرُّفَ النَّاسِ عَلَى الْحَاكِمِ ، كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ: وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُهُ ، يُحْجَرُ عَلَيْهِ .
يَعْنِي: إذَا كَبِرَ ، وَاخْتَلَّ عَقْلُهُ ، حُجِرَ عَلَيْهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْجِزُ بِذَلِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ، وَحِفْظِهِ ، فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ .