حَدِّ الْقِلَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ: ( الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ )
فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ ، فَلِهَذَا قُدِّرَ بِهِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ .
وَمَا دُونَ الثُّلُثِ دَاخِلٌ فِيهِ ، فَيَجِبُ وَضْعُهُ .
وَلِأَنَّ هَذِهِ الثَّمَرَةَ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُهَا ، فَكَانَ مَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، كَاَلَّتِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَمَا أَكَلَهُ الطَّيْرُ أَوْ سَقَطَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يُسَمَّى جَائِحَةً ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَهُوَ مَعْلُومُ الْوُجُودِ بِحُكْمِ
الْعَادَةِ ، فَكَأَنَّهُ مَشْرُوطٌ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَادَةِ ، وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ .
فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ .
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الْمَبْلَغِ ، وَقِيلَ: ثُلُثَ الْقِيمَةِ .
فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ ، رَجَعَ بِقِيمَةِ التَّالِفِ كُلِّهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْجَائِحَةِ ، أَوْ قَدْرِ مَا أُتْلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ .
وَلِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَالْقَوْلُ فِي الْأُصُولِ قَوْلُ الْغَارِمِ .
فَصْلٌ: فَإِنْ بَلَغَتْ الثَّمَرَةُ أَوَانَ الْجِزَازِ ، فَلَمْ يَجُزَّهَا حَتَّى اُجْتِيحَتْ ، فَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي لَا يُوضَعُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فِي وَقْتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .
وَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَأَمْكَنَهُ قَطْعُهَا ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا بِتَفْرِيطِهِ .
وَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ إمْكَانِ قَطْعِهَا ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهَا ، كَالْمَسْأَلَةِ فِيهَا .