سَبَبَهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ ؛ لِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ الْمَاءِ بِسَبَبٍ لَا يَعْتَقِدُهُ الْمُخْبَرُ ، كَالْحَنَفِيِّ يَرَى نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْيَسِيرِ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، وَالْمُوَسْوَسُ الَّذِي يَعْتَقِدُ نَجَاسَتَهُ بِمَا لَا يُنَجِّسُهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَ قَبُولَ خَبَرِهِ ، إذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ فِي حَقِّهِ .
فَصْلٌ: فَإِنْ أُخْبِرْهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ ، لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا أَوْ ضَرِيرًا ؛ لِأَنَّ لِلضَّرِيرِ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَالْحِسِّ .
وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلَغْ فِي هَذَا .
وَقَالَ آخَرُ: لَمْ يَلَغْ فِي الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا وَلَغَ فِي الثَّانِي .
وَجَبَ اجْتِنَابُهُمَا ، فَيَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا خَفِيَ عَلَى الْآخَرِ ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَا وَقْتًا مُعَيَّنًا ، وَكَلْبًا وَاحِدًا ، يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ شُرْبِهِ مِنْهُمَا ، فَيَتَعَارَضُ قَوْلَاهُمَا ، وَيَسْقُطَانِ ، وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: شَرِبَ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ ، وَقَالَ الْآخَرُ: نَزَلَ وَلَمْ يَشْرَبْ قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شُرْبُهُ ، مِثْلُ الضَّرِيرِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ حِسِّهِ ، فَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْبَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: إذَا سَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ مِنْ طَرِيقٍ مَاءٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، قَالَ صَالِحٌ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَوْضِعِ ، فَيَقْطُرُ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ أَوْ قَطْرَتَانِ ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَخْرَجًا - يَعْنِي خَلَاءً - فَاغْسِلْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْرَجًا فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى حَوْضٍ ، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ ، أَتَرِدُ عَلَى حَوْضِك السِّبَاعُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ ، لَا تُخْبِرْنَا ، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَيْهَا ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا .
رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي"الْمُوَطَّأِ".