مَالٍ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا ، فَجَازَ ، كَشِرَاءِ الْأَسِيرِ ، وَرِشْوَةِ الظَّالِمِ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ .
وَإِنْ أَطْرَقَ إنْسَانٌ فَحْلَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ وَلَا شَرْطٍ ، فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ ، أَوْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ لِذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْرُوفًا ، فَجَازَتْ مُجَازَاتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أُهْدِيَ هَدِيَّةً .
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ ، كَالزِّنَى وَالزَّمْرِ وَالنَّوْحِ وَالْغِنَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِفِعْلِهِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَكَرِهَ ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، كَإِجَارَةِ أَمَتِهِ لِلزِّنَى .
وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كَاتِبٍ لِيَكْتُبَ لَهُ غِنَاءً وَنَوْحًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ وَلَنَا أَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمُحَرَّمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .
وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى كِتَابَةِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ ، وَلَا بِدْعَةٍ ، وَلَا شَيْءٍ مُحَرَّمٍ لِذَلِكَ .
وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ لِمَنْ يَشْرَبُهَا ، وَلَا عَلَى حَمْلِ خِنْزِيرٍ وَلَا مَيْتَةٍ ؛ لِذَلِكَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَمَلَهُ مِثْلُهُ جَازَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ إرَاقَتَهُ أَوْ طَرْحَ الْمَيْتَةِ ، جَازَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ حَمَلَ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً أَوْ خَمْرًا لِنَصْرَانِيٍّ: أَكْرَهُ أَكْلَ كِرَائِهِ ، وَلَكِنْ يُقْضَى لِلْحَمَّالِ بِالْكِرَاءِ ، فَإِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فَهُوَ أَشَدُّ .
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيُرِيقَهَا ، فَأَمَّا لِلشُّرْبِ فَمَحْظُورٌ ، وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ ؛ لِقَوْلِهِ: أَكْرَهُ أَكْلَ كِرَائِهِ ، وَإِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فَهُوَ أَشَدُّ .
وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالزِّنَى وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ: لَا يَتَعَيَّنُ يَبْطُلُ بِاسْتِئْجَارِ أَرْضٍ لِيَتَّخِذَهَا مَسْجِدًا .
وَأَمَّا حَمْلُ هَذِهِ لِإِرَاقَتِهَا ، وَالْمَيْتَةِ لِطَرْحِهَا ، وَالِاسْتِئْجَارُ لِلْكَنَفِ ، فَجَائِزٌ ؛ لِأَنَّ
ذَلِكَ