قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ: فَيَقُولُ: ( يَوْمًا وَلَيْلَةً )
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( لَا تُسَافِرُ سَفَرًا )
أَيْضًا .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ يَقُولُ: ( ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ )
قُلْت: مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ: لَا تُسَافِرُ سَفَرًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ } .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ .
وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، كَحَجِّ
التَّطَوُّعِ .
وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّجُلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا خُرُوجَ غَيْرِهَا مَعَهَا ، فَجَعْلَ ذَلِكَ الْغَيْرَ الْمَحْرَمَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيثِنَا أَوْلَى مِمَّا اشْتَرَطُوهُ بِالتَّحَكُّمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ يُوجِبُ الْحَجَّ ، مَعَ كَمَالِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ ، وَإِمْكَانَ الْمَسِيرِ ، وَقَضَاءَ الدَّيْنِ ، وَنَفَقَةَ الْعِيَالِ ، وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ إمْكَانَ الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي الْحَدِيثِ .
وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ شَرْطًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، فَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِالِاشْتِرَاطِ ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ ، فَحَدِيثُنَا أَخُصُّ وَأَصَحُّ وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ السَّفَرِ ، لَا عَلَى جَوَازِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ خُرُوجُ غَيْرِهَا مَعَهَا ، وَقَدْ اشْتَرَطُوا هَاهُنَا خُرُوجَ غَيْرِهَا مَعَهَا .
وَأَمَّا الْأَسِيرَةُ إذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ ، فَإِنَّ سَفَرَهَا سَفَرُ ضَرُورَةٍ ، لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ ، وَلِذَلِكَ تَخْرُجُ فِيهِ وَحْدَهَا ؛ وَلِأَنَّهَا تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ ، فَلَا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَصْلًا .
فَصْلٌ: وَالْمَحْرَمُ زَوْجُهَا ، أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ