الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ ، وَنَصِيبَهُ يَقِلُّ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لَهُ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ .
وَفِيهِ الْأَقْسَامُ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي كِبَارِ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ، وَهِيَ أَنَّنَا إنْ قُلْنَا: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ .
لَمْ نَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ .
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لَازِمٌ .
فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْمُدَّةَ زَمَنًا يَحْمِلُ فِيهِ غَالِبًا ، فَيَصِحُّ ، فَإِنْ حَمَلَ فِيهَا فَلَهُ مَا شَرَطَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ فِيهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ .
وَالثَّانِي أَنْ يَجْعَلَهَا إلَى زَمَنٍ لَا يَحْمِلُ فِيهِ غَالِبًا ، فَلَا يَصِحُّ ، وَإِنْ عَمِلَ فِيهَا فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ حَمَلَ فِي الْمُدَّةِ ، لَمْ يَسْتَحِقّ مَا جَعَلَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فَاسِدًا .
فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شُرِطَ فِيهِ .
وَالثَّالِثُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُدَّةَ زَمَنًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْمِلَ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ .
اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ .
فَحَمَلَ فِي الْمُدَّةِ ، اسْتَحَقَّ مَا شُرِطَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ فِيهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا .
وَإِنْ شَرَطَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ وَنِصْفَ الْأَصْلِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي النَّمَاءِ وَالْفَائِدَةِ ، فَإِذَا شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْأَصْلِ ، لَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْمُضَارَبَةِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي رَأْسِ الْمَالِ .
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ ثَمَرَتِهَا ، مُدَّةَ بَقَائِهَا ، لَمْ يَجُزْ وَإِنْ جَعَلَ لَهُ ثَمَرَةَ عَامٍ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ .
فَصْلٌ: وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ ، وَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَحْمِلَ ، وَيَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ ، صَحَّ أَيْضًا .
وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ سَاقَاهُ عَلَى صِغَارِ الشَّجَرِ ، عَلَى مَا بَيَّنَاهُ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ: اغْرِسْ فِي أَرْضِي هَذِهِ شَجَرًا أَوْ نَخْلًا ، فَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ فَلَكَ بِعَمَلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا وَكَذَا .
فَأَجَازَهُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خَيْبَرَ فِي الزَّرْعِ وَالنَّخِيلِ ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْغَرْسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِ ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ الْبَذْرَ فِي الْمُزَارَعَةِ مِنْ الْعَامِلِ وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعَامَلَةُ بَاطِلَةٌ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَكْلِيفِهِ قَلْعَهَا ، وَيَضْمَنُ لَهُ أَرْشَ نَقْصِهَا ، وَبَيْنَ إقْرَارِهَا فِي أَرْضِهِ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَتَهَا ، كَالْمُشْتَرِي إذَا غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اشْتَرَاهَا ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَخَذَهَا .
وَإِنْ اخْتَارَ الْعَامِلُ قَلْعَ شَجَرِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْقِيمَةَ أَوْ لَمْ يَبْذُلْهَا ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَلَمْ يُمْنَعْ تَحْوِيلَهُ .
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إبْقَاءِ الْغِرَاسِ ، وَدَفْعِ أَجْرِ الْأَرْضِ ، جَازَ .
وَلَوْ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى رَجُلٍ يَغْرِسُهَا ، عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَجُزْ ، عَلَى مَا سَبَقَ وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ ، بِنَاءً عَلَى الْمُزَارَعَةِ ، فَإِنَّ الْمُزَارِعَ يَبْذُرُ فِي الْأَرْضِ ، فَيَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ ، وَهَذَا نَظِيرُهُ .
وَإِنْ دَفَعَهَا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ بَيْنَهُمَا ، فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْأَصْلِ ، فَفَسَدَ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الشَّجَرَ وَالنَّخِيلَ
لِيَكُونَ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا ، أَوْ شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بَيْنَهُمَا .
فَصْلٌ: وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْعَمَلِ ، أَخَذَهُ رَبُّهُ وَثَمَرَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، وَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِي ثَمَرَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا ، وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ