وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ .
فَإِنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ اقْتِدَاءَهُ بِهِ اخْتِلَافُ جِهَتِهِ ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَهَا ، وَكَالْمُصَلِّينَ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُصَلِّي فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ ، إذَا كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } .
مَعَ كَوْنِ أَحْمَدَ لَا يَرَى طَهَارَتَهَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَثَ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ ، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِهِ ، لَزِمَتْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ ؛ وَهَاهُنَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ ، فَافْتَرَقَا .
فَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمِيلُ يَمِينًا ، وَيَمِيلُ الْآخَرُ شِمَالًا ، مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامَ بِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ ، وَقَدْ اتَّفَقَا فِيهَا .
يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي الْقِبْلَةِ ، وَمَعَهُمَا أَعْمَى ، قَلَّدَ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُهُمَا عِنْدَهُ وَأَصْدَقُهُمَا قَوْلًا ، وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا ؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ إلَيْهِ أَقْرَبُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَصِيرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْأَدِلَّةَ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، فَرْضُهُ أَيْضًا التَّقْلِيدُ ، وَيُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ ، فَإِنْ قَلَّدَ الْمَفْضُولَ ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ ، فَلَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ ، كَالْمُجْتَهِدِ إذَا تَرَكَ جِهَةَ اجْتِهَادِهِ ، وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِدَلِيلٍ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ .
فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَوَيَا ، وَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ