فَصْلٌ: وَإِذَا فَسَدَ الرَّهْنُ ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ أَنَّهُ رَهْنٌ ، وَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ أَوْ مَضْمُونًا ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا ، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ ، صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَضْمُونًا ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ ، وَحُكْمُ الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ .
فَإِنْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ ، فَهُوَ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَإِنْ غَرَسَ بَعْدَ الْأَجَلِ ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ أَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ لَهُ ، فَقَدْ غَرَسَ بِإِذْنِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ، فَقَدْ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي التَّصَرُّفِ ، فَيَكُونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ غَرْسَهُ لَهُ ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِقِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَلْعِهِ ، وَيَضْمَنَ لَهُ مَا نَقَصَ .
مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ: ( وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ ، إلَّا مَا كَانَ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا ، فَيَرْكَبُ وَيَحْلُبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ )
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً ، وَذَلِكَ حَرَامٌ .
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ ، الدُّورِ ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ .
يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ .
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ ، جَازَ ذَلِكَ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ ، جَازَ فِي الْقَرْضِ