إلَّا أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُرَتَّبَاتِ تُقْضَى ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَأَمَّا إنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، سَوَاءٌ أَرَادَ النُّسُكَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ .
فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ، فَحُكْمُهُ فِي مُجَاوَزَةِ قَرْيَتِهِ إلَى مَا يَلِي الْحَرَمَ ، حُكْمُ الْمُجَاوِزِ لِلْمِيقَاتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ مِيقَاتُهُ ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: ( وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَخَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَاتَهُ الْحَجُّ ، أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ )
لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فِيمَا نَعْلَمُهُ .
إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ ، فَلَا حَجَّ لَهُ .
وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَمَاكِنِ ، كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ .
وَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا ، فَعَلَيْهِ دَمٌ } .
وَإِنَّمَا أَبَحْنَا لَهُ الْإِحْرَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ ، مُرَاعَاةً لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ ، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ وَاجِبٍ فِيهِ مَعَ فَوَاتِهِ .
وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ ؛ لِعَدَمِ الرُّفْقَةِ ، أَوْ الْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، فَهُوَ كَخَائِفِ الْفَوَاتِ ، فِي أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ .