فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْعَامِلُ أَنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ مِنْ الثَّمَرَةِ ، وَقَدَّرَ الْأُجْرَةَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا شَرَطَ أَجْرَهُ مِنْ الْمَالِ ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَجْرَ عَمَلِهِ .
وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ فَسَدَ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أَجْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمْ مِنْ الْحَمَّالِينَ وَنَحْوِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ فَكَانَ عَلَى الْمَالِ ، وَلَوْ شَرَطَ أَجْرَ مَا يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بِنَفْسِهِ ، لَمْ يَصِحَّ كَمَسْأَلَتِنَا .
فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ، أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَسُئِلَ عَنْ الْأَكَّارِ يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ صَاحِبُ الضَّيْعَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ .
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَكَانَ لَازِمًا ، كَالْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ، جَازَ لِرَبِّ الْمَالِ فَسْخُهُ إذَا أَدْرَكَتْ الثَّمَرَةُ ، فَيَسْقُطُ حَقُّ الْعَامِلِ ، فَيَسْتَضِرُّ .
وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِخَيْبَرَ ، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا ، وَيَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا } وَلَوْ كَانَ لَازِمًا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ الْخِيَرَةَ إلَيْهِ فِي مُدَّةِ إقْرَارِهِمْ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَ لَهُمْ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ، وَلَوْ قَدَّرَ لَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِنَقْلِهِ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ