الْمُسْتَنِيبَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ ، وَيَشُدُّ لَهُ ، وَيَرْفَعُ حِمْلَهُ ، وَيَحُجُّ عَنْ أَبِيهِ ، فَدَفَعَ لَهُ أَجْرًا لِخِدْمَتِهِ ، لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَصْلٌ: وَمَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالشِّعْرِ الْمُبَاحِ ، وَأَشْبَاهِهِ ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ تَارَةً قُرْبَةً ، وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ لِفِعْلِهِ ، كَغَرْسِ الْأَشْجَارِ ، وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ .
وَكَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ .
وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ مِنْ الْعِبَادَات الْمَحْضَةِ ، كَالصِّيَامِ ، وَصَلَاةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ ، وَحَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَدَاءِ زَكَاةِ نَفْسِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الِانْتِفَاعِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ هَاهُنَا انْتِفَاعٌ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا .
فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ ، فَقَالَ: آجَرْتَنِيهَا سَنَةً بِدِينَارٍ .
قَالَ: بَلْ بِدِينَارَيْنِ .
تَحَالَفَا ، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْآجِرِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، فَإِذَا تَحَالَفَا قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَسَخَا الْعَقْدَ ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ .
وَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْآخَرُ ، قَرَّ الْعَقْدُ .
وَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ بَعْدَ الْمُدَّةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا ، سَقَطَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ تَلَفِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ الْعَمَلَ ، وَإِنْ كَانَ عَمِلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجْرِ مِثْلِهِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَجْرِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .
وَلَنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، فَيَتَحَالَفَانِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي عِوَضِهَا ، كَالْبَيْعِ ، وَكَمَا قَبِلَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ