وَأَبُو رَافِعٍ صَاحِبُ الْقِصَّةِ ، وَهُوَ السَّفِيرُ فِيهَا ، فَهُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لَوْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَبِيرًا ، فَكَيْفَ وَقَدْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأُمُورِ ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: وَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا حَلَالًا .
فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِحَدِيثٍ هَذَا حَالُهُ ؟ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ( وَهُوَ مُحْرِمٌ )
أَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، أَوْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، كَمَا قِيلَ: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانِ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَقِيلَ: تَزَوَّجَهَا حَلَالًا ، وَأَظْهَر أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثَانِ ، كَانَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِعْلُهُ ، وَالْقَوْلُ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَا فَعَلَهُ .
وَعَقْدُ النِّكَاحِ يُخَالِفُ شِرَاءَ الْأَمَةِ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَكَوْنِ الْمَنْكُوحَةِ أُخْتًا لَهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشِّرَاءِ .
فَصْلٌ: وَمَتَى تَزَوَّجَ الْمُحْرِمُ ، أَوْ زَوَّجَ ، أَوْ زُوِّجَتْ مُحْرِمَةٌ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْكُلُّ مُحْرِمِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا .
وَعَنْ أَحْمَدَ: إنْ زَوَّجَ الْمُحْرِمُ لَمْ أَفْسَخْ النِّكَاحَ .
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَلِيُّ بِمُفْرَدِهِ أَوْ الْوَكِيلُ مُحْرِمًا ، لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْسَخُهُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ .
قَالَ الْقَاضِي: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ .
وَهَكَذَا كُلُّ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ .