قَالُوا: لَا ، فَتَأَخَّرَ ، فَقِيلَ: لَمْ لَا تُصَلِّ عَلَيْهِ ؟: فَقَالَ: مَا تَنْفَعُهُ صَلَاتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ ؟ أَلَا إنْ قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ .
فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ ، فَقَالَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: ضَمِينٌ ، وَكَفِيلٌ ، وَقَبِيلٌ ، وَحَمِيلٌ ، وَزَعِيمٌ ، وَصَبِيرٌ ، بِمَعْنِيِّ وَاحِدٍ .
وَلَا بُدَّ فِي الضَّمَان مِنْ ضَامِن ، ومضمون عَنْهُ ، ومضمون لَهُ .
وَلَا بد مِنْ رِضَى الضَّامِن ، فَإِن أُكْرِهَ عَلَى الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ .
وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ لِآدَمِي ، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِرِضَاهُ أَوْ رِضَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .
وَعَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ .
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّهُمَا وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنٍ الْمَيِّتِ لِلْغَائِبِ ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ .
فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَعْرِفَهُمَا الضَّامِنُ .
وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُمَا ، لِيَعْلَمَ هَلْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إلَيْهِ أَوَّلًا ؟ وَلِيَعْرِفَ الْمَضْمُونَ لَهُ ، فَيُؤَدِّيَ إلَيْهِ .
وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ لِذَلِكَ .
وَلَا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ نَحْو هَذِهِ .
وَلَنَا ، حَدِيثُ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ ، فَإِنَّهُمَا ضَمِنَا لِمَنْ لَمْ يَعْرِفَاهُ عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفَاهُ .
وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ مَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِهِ ، كَالنَّذْرِ .