مُبَاحَةً ، فَأَشْبَهَتْ الْحُلِيَّ ، وَفَارَقَتْ الشَّمْعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِمَا أَتْلَفَ عَيْنَهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ ذَكَرَ مَا يَسْتَأْجِرُهُ لَهُ ، وَعَيَّنَهُ ، فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ الْإِجَارَةُ ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِيمَا شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا فِي الْإِجَارَةِ مُتَعَيِّنَةٌ فِي التَّحَلِّي وَالْوَزْنِ ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ الْإِجَارَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا ، كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ السُّكْنَى ، وَوَضْعَ الْمَتَاعِ فِيهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ ، وَتَكُونُ قَرْضًا .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ ، وَالِانْتِفَاعُ الْمُعْتَادُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إنَّمَا هُوَ بِأَعْيَانِهَا ، فَإِذَا أُطْلِقَ الِانْتِفَاعُ ، حُمِلَ عَلَى الِانْتِفَاعِ الْمُعْتَادِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ ، وَلَا تَكُونُ قَرْضًا ؛ لِأَنَّ التَّحَلِّيَ يَنْقُصُهَا ، وَالْوَزْنَ لَا يَنْقُصُهَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الِانْتِفَاعِ ، فَلَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهَا .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَا عَنْ الْقَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ تَمْلِيكٌ لِلْغَيْرِ ، وَالْإِجَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّعْبِيرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ .
وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالْأَلْفَاظَ تُؤْخَذُ نَقْلًا ، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي اللِّسَانِ التَّعْبِيرُ بِالْإِجَارَةِ عَنْ الْقَرْضِ .
وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ ، كَانَ أَوْلَى مِنْ إفْسَادِهِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى إجَارَتِهَا لِلْجِهَةِ الَّتِي تَجُوزُ إجَارَتُهَا فِيهَا وَقَوْلُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي انْتِفَاعًا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، فَلَا تُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَمَا ذَكَرَ الْآخَرُونَ مِنْ نَقْصِ الْعَيْنِ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي التَّحَلِّي فَبَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ لَا أَثَرَ لَهُ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ شَجَرًا وَنَخِيلًا ، لِيُجَفِّفَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ ، أَوْ يَبْسُطَهَا عَلَيْهَا لِيَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَثْمَانِ .
وَلَنَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً ، لَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لِذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ يَحْصُلُ بِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فِي الْحَالَتَيْنِ ، فَمَا جَازَ فِي إحْدَاهُمَا يَجُوزُ فِي الْأُخْرَى ،