وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ: لَا يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالْأَوَانِي ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ: يَتَحَرَّى فِيهَا ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْأَوَانِي وَالْقِبْلَةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فَيَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ الطَّهُورُ بِالطَّاهِرِ ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَانِي النَّجِسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّجِسِ يَتَنَجَّسُ بِهِ ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .
الثَّانِي أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، وَالْمَاءُ النَّجِسُ بِخِلَافِهِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا ، أَنَّ الْقِبْلَةَ يَكْثُرُ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا ، فَيَشُقُّ اعْتِبَارُ الْيَقِينِ ، فَسَقَطَ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .
الثَّانِي أَنَّ الِاشْتِبَاهَ هَاهُنَا حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ تَعْلِيمُ النَّجِسِ أَوْ غَسْلُهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ .
الثَّالِثُ أَنَّ الْقِبْلَةَ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ مِنْ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهَا ، فَيَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهَا ، وَيَقْوَى دَلِيلُ الْإِصَابَةِ لَهَا ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْخَطَأِ إلَّا وَهْمًا ضَعِيفًا ، بِخِلَافِ الثِّيَابِ .
فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ النَّجِسِ ، صَلَّى فِيمَا يَتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ وَشَقَّ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ .
وَالثَّانِي لَا يَتَحَرَّى ؛ لِأَنَّ هَذَا يَنْدُرُ جِدًّا ، فَلَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ ، وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْغَالِبِ .
فَصْلٌ: وَإِنْ وَرَدَ مَاءً فَأَخْبَرَهُ بِنَجَاسَتِهِ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ خَبَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا الرِّوَايَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ خَبَرِهِ ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا غَيْرَ مَعْلُومٍ فِسْقُهُ ، وَعَيَّنَ سَبَبَ النَّجَاسَةِ ، لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ ، فَأَشْبَهَ الْخَبَرَ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ