شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: الْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ ضَعِيفَةٌ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ صَحِيحَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ فِي الْقِيَاسِ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَثَرِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ ؛ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِعَيْنٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَالْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ وَبَدَنِ الشَّاهِدِينَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُنَنِّي بِهِ إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدٍ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدِ الْكَفَالَة ، كَالْمَالِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ عَلَى الْكَفِيلِ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعَ حَيَاتِهِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَغْرَمُ .
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: الزَّعِيمُ غَارِمٌ } .
وَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ ، فَوَجَبَ بِهَا الْغُرْمُ ، كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ ، أَوْ بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِبَدَنِهِ ، أَوْ بِوَجْهِهِ ، كَانَ كَفِيلًا بِهِ .
وَإِنْ كَفَلَ بِرَأْسِهِ أَوْ كَبِدِهِ ، أَوْ جُزْءٍ لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ ، أَوْ بِجُزْءِ شَائِعٍ مِنْهُ ، كَثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ ، صَحَّتْ الْكَفَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ ذَلِكَ إلَّا بِإِحْضَارِهِ كُلِّهِ .
وَإِنْ تَكَفَّلَ بِعُضْوٍ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ زَوَاله ، كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَصِحُّ الْكَفَالَةُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى صِفَتِهَا إلَّا بِإِحْضَارِ الْبَدَنِ كُلِّهِ ، فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمْلَةِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْبَعْضِ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ بِدُونِ الْجُمْلَةِ مَعَ بَقَائِهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ ، وَلَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَسْرِي لَا يَصِحُّ إذَا خُصَّ بِهِ عُضْوٌ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ .