وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ ، فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِيهِمَا جَمِيعًا .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ قِيلَ: لَا يُبَاحُ إلَّا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ .
وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } إلَى قَوْلِهِ: { فَتَيَمَّمُوا } يَدُلُّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ فِي كُلِّ سَفَرٍ ؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ الْقَصِيرَ يَكْثُرُ ، فَيَكْثُرُ عَدَمُ الْمَاءِ فِيهِ ، فَيُحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ بِهِ الْفَرْضُ ، كَالطَّوِيلِ .
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ ، فَأُبِيحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، كَمَسْحِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .
فَصْلٌ: فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ ، بِأَنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهُمْ ، أَوْ حُبِسَ فِي مِصْرٍ ، فَعَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَا يُصَلِّي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حُبِسَ فِي دَارٍ ، وَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ بِمَنْزِلِ الْمُضِيفِ ، أَيَتَيَمَّمُ ؟ قَالَ: لَا .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ .
فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ .
فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ ؛ وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ .
وَالْآيَةُ يُحْتَمَلُ أَنَّ يَكُونَ ذِكْرُ السَّفَرِ فِيهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يُعْدَمُ ، فِيهِ كَمَا ذُكِرَ ، فِي السَّفَرِ ، وَعَدَمُ وُجُودُ الْكَاتِبِ فِي الرَّهْنِ ، وَلَيْسَا شَرْطَيْنِ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ حُجَّةً فَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ، عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى دَلِيلَ