أَجْلَاهُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ ، لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُمْ مِنْهَا .
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَالِ ، فَكَانَ جَائِزًا ، كَالْمُضَارَبَةِ ، أَوْ عَقْدٌ عَلَى الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ ، أَشْبَهَ الْمُضَارَبَةَ ، وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ ، فَكَانَتْ لَازِمَةً ، كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ ، وَلِأَنَّ عِوَضَهَا مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ .
وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ
بِالْمُضَارَبَةِ ، وَهِيَ أَشْبَهُ بِالْمُسَاقَاةِ مِنْ الْإِجَارَةِ ، فَقِيَاسُهَا عَلَيْهَا أَوْلَى وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَفْسَخُ بَعْدَ إدْرَاكِ الثَّمَرَةِ .
قُلْنَا: إذَا ظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ ، فَهِيَ تَظْهَرُ عَلَى مِلْكِهِمَا ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهَا بِفَسْخٍ وَلَا غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْمُضَارَبَةَ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ .
فَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَضْرِبْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً حِينَ عَامَلُوهُمْ .
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ كَالْمُضَارَبَةِ ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ .
وَمَتَى فَسَخَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، وَعَلَى الْعَامِلِ تَمَامُ الْعَمَلِ ، كَمَا يَلْزَمُ الْمُضَارِبَ بَيْعُ الْعُرُوضِ إذَا فُسِخَتْ الْمُضَارَبَةُ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، فَصَارَ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، وَعَامِلِ الْجَعَالَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ إتْمَامِ عَمَلِهِ وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ إتْمَامَ عَمَلِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ الْجَاعِلُ قَبْلَ إتْمَامِ عَمَلِ الْجَعَالَةِ .
وَفَارَقَ رَبَّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَهَا قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ هَذَا مُفْضٍ إلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ غَالِبًا ، فَلَوْلَا الْفَسْخُ لَظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ ، فَمَلَكَ نَصِيبَهُ مِنْهَا ، وَقَدْ قَطَعَ ذَلِكَ بِفَسْخِهِ ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ الْجَعَالَة ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهَا إلَى الرِّبْحِ ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا ظَهَرَتْ فِي الشَّجَرِ ، كَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا فِي الِابْتِدَاءِ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِهَا ، وَالرِّبْحُ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ
قَدْ لَا يَكُونُ لِلْعَمَلِ الْأَوَّلِ فِيهِ أَثَرٌ أَصْلًا .
فَأَمَّا إنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ .
فَلَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ