أَعْلَى طُرُقِ الْعِلْمِ ، وَالصِّفَةُ .
وَيُشْتَرَطُ فِي الصِّفَةِ مَعْرِفَةُ شَيْئَيْنِ: الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَخْتَلِفُ تَعَبُ الْبَهِيمَةِ بِاخْتِلَافِهِ ، مَعَ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ ، فَإِنَّ الْقُطْنَ يَضُرُّ بِهَا مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَنْتَفِخُ عَلَى الْبَهِيمَةِ .
فَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّيحُ فَيَثْقُلُ ، وَمِثْلُهُ مِنْ الْحَدِيدِ يُؤْذِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْبَهِيمَةِ ، فَرُبَّمَا عَقَرَهَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ .
وَأَمَّا الظُّرُوفُ ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْوَزْنِ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهَا ، وَإِنْ لَمْ تُوزَنْ ، فَإِنْ كَانَتْ ظُرُوفًا مَعْرُوفَةً ، لَا تَخْتَلِفُ ، كَغَرَائِر الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَنَحْوِهَا ، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ؛ لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا كَثِيرًا فَتَسْمِيَتُهَا تَكْفِي ، وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا بِالتَّعْيِينِ أَوْ الصِّفَةِ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَكْرَيْتُكَهَا لِتَحْمِلَ عَلَيْهَا ثَلَاثَمِائَةِ رِطْلٍ مِمَّا شِئْت جَازَ ، وَمَلَكَ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَا يُحَمِّلُهُ حِمْلًا يَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ ، مِثْلَ مَا لَوْ أَرَادَ حَمْلَ حَدِيدٍ أَوْ زِئْبَقٍ ، يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ ظَهْرِهِ ، وَلَا يَجْعَلُهُ فِي وِعَاءٍ يَتَمَوَّجُ فِيهِ ، فَيَكُدُّ الْبَهِيمَةَ وَيُتْعِبُهَا .
وَإِنْ اكْتَرَى ظَهْرًا لِلْحَمْلِ مَوْصُوفًا بِجِنْسٍ ، فَأَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، وَكَانَ الطَّالِبُ لِذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرَ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمُؤَجِّرُ ، وَكَانَ يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الِاسْتِعْجَالَ فِي السَّيْرِ ، أَوْ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ الْقَافِلَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْخَيْلُ أَوْ الْبِغَالُ ، أَوْ يَكُونَ غَرَضُهُ سُكُونَ الْحُمُولَةِ لِكَوْنِ الْحُمُولَةِ مِمَّا يَضُرُّهَا الْهَزُّ ، أَوْ قُوَّتَهَا وَصَبْرَهَا لِطُولِ الطَّرِيقِ وَثِقْلِ الْحُمُولَةِ فَيُعَيِّنُ الْإِبِلَ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ غَرَضَ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا فِي الْمَرْكُوبِ وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ غَرَضًا ، جَازَ ، كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ اكْتَرَى عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ حَمْلَ مِثْلِهِ ، أَوْ أَقَلَّ ضَرَرًا مِنْهُ .