أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: تَجِبُ عَلَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ لَا تُشْرَعُ .
إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ ، وَلِأَنَّ حَدَّ الْوَاجِبِ: مَا عُوقِبَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي ابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ يُعِيدُ .
وَلَعَلَّ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ } .
وَلِأَنَّهُ صَبِيٌّ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ الْعَقْلِ وَالْبِنْيَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ يَضْبِطُ الْحَدَّ الَّذِي تَتَكَامَلُ فِيهِ بِنْيَتُهُ وَعَقْلُهُ ، فَإِنَّهُ يَتَزَايَدُ تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ ، فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، وَالْبُلُوغُ ضَابِطٌ لِذَلِكَ ، وَلِهَذَا تَجِبُ بِهِ الْحُدُودُ ، وَتُؤْخَذُ بِهِ
الْجِزْيَةُ مِنْ الذِّمِّيِّ إذَا بَلَغَهُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ .
وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ ، وَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالُوا لَمَا اُخْتُصَّ بِابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ غَيْرِهِ .
وَهَذَا التَّأْدِيبُ هَاهُنَا لِلتَّمْرِينِ وَالتَّعْوِيدِ ، كَالضَّرْبِ عَلَى تَعَلُّمِ الْخَطِّ وَالْقُرْآنِ وَالصِّنَاعَةِ وَأَشْبَاهِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .