يُقِيمَ الرَّجُلُ - يَعْنِي أَخَاهُ - مِنْ مَقْعَدِهِ ، وَيَجْلِسَ فِيهِ .
وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَكَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ ، وَمَشَارِعِ الْمِيَاهِ وَالْمَعَادِنِ ، فَإِنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ ، فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ ، حَتَّى إذَا جَاءَ قَامَ النَّائِبُ وَأَجْلَسَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامًا لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَيَجْلِسُ فِيهِ ، فَإِذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ قَامَ الْغُلَامُ ، وَجَلَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا فَقَامَ
لِيَجْلِسَ آخَرُ فِي مَكَانِهِ ، فَلَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ النَّائِبَ .
وَأَمَّا الْقَائِمُ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مِثْلِ مَكَانِهِ الَّذِي آثَرَ بِهِ فِي الْقُرْبِ ، وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مَا دُونَهُ ، كُرِهَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الدِّينِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَهْلِ الْفَضْلِ إلَى مَا يَلِي الْإِمَامَ مَشْرُوعٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } وَلَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْبِقَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْجَالِسِ آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَقَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، كَمَا لَوْ يَحْجُرُ مَوَاتًا ، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ ، ثُمَّ آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ نَحْوَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالْقِيَامِ ،