تَعَالَى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا ، أَوْ مُتَابَعَةُ الْعَمَلِ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَهُ .
ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْمَشْيِ الْكَثِيرِ ، وَالْعَدْوِ فِي الْهَرَبِ وَغَيْرِهِ .
وَأَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ ، فَقَدْ نُقِلَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَأَكَّدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا فِي مُسَايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلَاةِ .
وَأَمَّا الصِّيَاحُ ، وَالْحَدَثُ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ ، وَيُمْكِنُهُمْ التَّيَمُّمُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبْطِلًا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَنْ يُبْطِلَ مَعَهُ ، كَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ ،
وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ .
وَإِنْ هَرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ هَرَبًا مُبَاحًا ، أَوْ مِنْ سَيْلٍ ، أَوْ سَبُعٍ ، أَوْ حَرِيقٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِدُونِ الْهَرَبِ .
فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، سَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ مَالِهِ ، أَوْ أَهْلِهِ .
وَالْأَسِيرُ إذَا خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إنْ صَلَّى ، وَالْمُخْتَفِي فِي مَوْضِعٍ ، يُصَلِّيَانِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمَا .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْأَسِيرِ .
وَلَوْ كَانَ الْمُخْتَفِي قَاعِدًا لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ ، أَوْ مَضْجَعًا لَا يُمْكِنُهُ الْقُعُودُ ، وَلَا الْحَرَكَةُ ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي وَيُعِيدُ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ خَائِفٌ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَالْهَارِبِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ خَوْفُ الْهَلَاكِ ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ ، وَمَتَى أَمْكَنَ التَّخَلُّصُ بِدُونِ ذَلِكَ ، كَالْهَارِبِ مِنْ السَّيْلِ يَصْعَدُ إلَى رَبْوَةٍ ، وَالْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ يُمْكِنُهُ دُخُولُ حِصْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ صَوْلَةَ الْعَدُوِّ ، وَلُحُوقَ الضَّرَرِ ، فَيُصَلِّي فِيهِ ، ثُمَّ