وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِنِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إمَّا وَكِيلُهُ ، وَإِمَّا وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ ، أَوْ وَكِيلُهُمَا مَعًا ، وَأَيَّ ذَلِكَ كَانَ فَلَا تُجْزِئُ نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ ، فَلَا تُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ حِرَاسَةً لِلْعِلْمِ الظَّاهِرِ كَالصَّلَاةِ يُجْبَرُ عَلَيْهَا لِيَأْتِيَ بِصُورَتِهَا ، وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: يُجْزِئُ عَنْهُ .
أَيْ فِي الظَّاهِرِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِأَدَائِهَا ثَانِيًا ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ يُطَالَبُ بِالشَّهَادَةِ ، فَمَتَى أَتَى بِهَا حُكِمَ
بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ مَا يَلْفِظُ بِهِ ، لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ بَاطِنًا .
قَالَ: وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ .
مَعْنَاهُ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَتْلُ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ عِلْمِنَا بِحَقِيقَةِ تَوْبَتِهِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَظْهَرَ إيمَانَهُ ، وَقَدْ كَانَ دَهْرَهُ يُظْهِرُ إيمَانَهُ ، وَيَسْتُرُ كُفْرَهُ ، فَأَمَّا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا تَصِحُّ إذَا عُلِمَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْإِنَابَةِ ، وَصِدْقُ التَّوْبَةِ ، وَاعْتِقَادُ الْحَقِّ وَمَنْ نَصَرَ قَوْلَ الْخِرَقِيِّ ، قَالَ: إنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ ، فَقَامَتْ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّتِهِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ ، وَفَارَقَ الصَّلَاةَ ؛ فَإِنَّ النِّيَابَةَ فِيهَا لَا تَصِحُّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ فَاعِلِهَا .
وَقَوْلُهُ: لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ وَكِيلًا لَهُ ، أَوْ وَكِيلًا لِلْفُقَرَاءِ ، أَوْ لَهُمَا .
قُلْنَا: بَلْ هُوَ وَالٍ عَلَى الْمَالِكِ ، وَأَمَّا إلْحَاقُ الزَّكَاةِ بِالْقِسْمَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ عِبَادَةً ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهَا نِيَّةٌ ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ .