كَأَنَّ ثَبِيرًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ وَأَنْشَدَ: وَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ جَرَّ قَدِيرًا ، مَعَ الْعَطْفِ لِلْمُجَاوَرَةِ .
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: { إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } .
جَرَّ أَلِيمًا ، وَهُوَ صِفَةُ الْعَذَابِ الْمَنْصُوبِ ، لِمُجَاوَرَتِهِ الْمَجْرُورَ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُحْتَمَلًا وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: { ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } .
فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِالْغَسْلِ لَا بِالْمَسْحِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْحِ الْغَسْلَ الْخَفِيفَ .
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْعَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الْغَسْلِ مَسْحًا ، فَيَقُولُونَ: تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ .
أَيْ تَوَضَّأْت .
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَتَحْدِيدُهُ بِالْكَعْبَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْغَسْلَ ، فَإِنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ .
فَإِنْ قِيلَ: فَعَطْفُهُ عَلَى الرَّأْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ
حَقِيقَةَ الْمَسْحِ .
قُلْنَا: قَدْ افْتَرَقَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا ، أَنَّ الْمَمْسُوحَ فِي الرَّأْسِ شَعْرٌ يَشُقُّ غَسْلُهُ ، وَالرِّجْلَانِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَهُمَا أَشْبَهُ بِالْمَغْسُولَاتِ .
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا مَحْدُودَانِ بِحَدٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا مُعَرِّضَتَانِ لِلْخُبْثِ لِكَوْنِهِمَا يُوطَأُ بِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ ،