لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَهَا ، وَلَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا ، وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ، كَانَ مُدْرِكًا لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّشَهُّدِ ، وَلَوْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى فِي أَوَّلِهِ ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ ، فَكَذَا جَمِيعُ النَّهَارِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ النَّفْلِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ نَوَى فِي التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ يَوْمِهِ ، وَإِذَا أَجْمَعَ مِنْ اللَّيْلِ كَانَ لَهُ يَوْمُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي"الْهِدَايَةِ": يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْيَوْمِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَكَلَ فِي بَعْضِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ
صِيَامُ بَاقِيه ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ حَقِيقَةً ، كَمَا لَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ بَعْدَ نِيَّتِهِ ، أَوْ غَفَلَ عَنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ الرَّكْعَةِ أَوْ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ كَانَ مُدْرِكًا لِجَمِيعِهَا .
وَلَنَا أَنَّ مَا قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يَنْوِ صِيَامَهُ ، فَلَا يَكُونُ صَائِمًا فِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَلَا تُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ .
وَدَعْوَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِصَوْمِ الْبَعْضِ أَنْ لَا تُوجَدَ الْمُفْطِرَاتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْيَوْمِ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ { فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } .
وَأَمَّا إذَا نَسِيَ النِّيَّةَ بَعْدَ وُجُودِهَا ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَصْحِبًا