احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ .
كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ نَسْخَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ فَأَفْطَرَ ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ { قَاءَ فَأَفْطَرَ } فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى الْحَاجِمَ وَالْمُحْتَجِمَ يَغْتَابَانِ ، } فَقَالَ ذَلِكَ ، قُلْنَا: لَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنْ الْحِجَامَةِ ، وَهِيَ الْخَوْفُ مِنْ الضَّعْفِ ، فَيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِمَا سِوَاهُ ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً .
عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ .
قَالَ أَحْمَدُ: لَأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ كَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغِيبَةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْحِجَامَةِ امْتَنَعَ ، وَهَذَا أَشَدُّ عَلَى النَّاسِ ، مَنْ يَسْلَمُ مِنْ الْغِيبَةِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ ضَعْفَ الصَّائِمِ بِهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْفِطْرَ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَيْ قَرُبَا مِنْ الْفِطْرِ .
قُلْنَا: هَذَا تَأْوِيلٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَاجِمِ ، فَإِنَّهُ لَا ضَعْفَ فِيهِ .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ