يَفْعَلُونَ إلَّا الْأَفْضَلَ .
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ ، قُلْنَا: قَدْ حَصَلَ بَيَانُ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ .
ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ ، وَلَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ ، وَاخْتِيَارِ الْأَدْنَى ، وَهُمْ أَهْلُ التَّقْوَى وَالْفَضْلِ ، وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ ، وَلَهُمْ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْفَضَائِلِ وَالدَّرَجَاتِ مَا لَهُمْ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، فِي ( مُسْنَدِهِ )
، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { يَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ } .
وَرَوَى الْحَسَنُ ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَغَضِبَ ، وَقَالَ: يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ .
وَقَالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ ، وَكَرِهَهُ لَهُ .
رَوَاهُمَا سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ .
وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، فَكُرِهَ ، كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ .
وَلِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْإِحْرَامِ ، وَتَعَرُّضٌ لِفِعْلِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ ، فَكُرِهَ ، كَالْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ .
قَالَ عَطَاءٌ: اُنْظُرُوا هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي وُقِّتَتْ لَكُمْ ، فَخُذُوا بِرُخْصَةِ اللَّهِ فِيهَا ، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدُكُمْ ذَنْبًا فِي إحْرَامِهِ ، فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِهِ ، فَإِنَّ الذَّنْبَ فِي الْإِحْرَامِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ .
فَأَمَّا حَدِيثُ
الْإِحْرَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَفِيهِ