قَالَتْ: دَخَلْت مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ ، نَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ فِي وَسَطِهِ مِنْ شِدَّةِ سَعْيِهِ ، حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ: إنِّي لَأَرَى رُكْبَتَيْهِ .
وَسَمِعْته يَقُولُ: اسْعَوْا ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَكَانَ رُكْنًا فِيهِمَا ، كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .
وَنَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، فَإِنَّ هَذَا رُتْبَةُ الْمُبَاحِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ سُنِّيَّتُهُ بِقَوْلِهِ: مِنْ شَعَائِر اللَّهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا )
وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ ذُو عَدَدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَلَمْ يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْيِ .
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ وَاجِبٌ .
وَلَيْسَ بِرُكْنٍ ، إذَا تَرَكَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ،
وَالثَّوْرِيِّ .
وَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ مَنْ أَوْجَبَهُ دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ ، لَا عَلَى كَوْنِهِ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ .
وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ .
وَحَدِيثُ بِنْتِ أَبِي تُجْرَاةَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي حَدِيثِهِ .
ثُمَّ إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَكْتُوبٌ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ .
وَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا تَحَرَّجَ نَاسٌ مِنْ السَّعْيِ فِي الْإِسْلَامِ ، لِمَا كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، لِأَجْلِ صَنَمَيْنِ كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
كَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ .