لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إتْلَافٌ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ ، وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ ، مِثْلُ الْمُحْتَجِمِ الَّذِي يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ ، أَوْ شَعْرًا عَنْ شَجَّتِهِ ، وَفِي مَعْنَى النَّاسِي النَّائِمُ الَّذِي يَقْلَعُ شَعْرَهُ ، أَوْ يُصَوِّبُ شَعْرَهُ إلَى تَنُّورٍ فَيَحْرِقُ لَهَبُ النَّارِ شَعْرَهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْفِدْيَةَ هِيَ إحْدَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، أَيَّهَا شَاءَ فَعَلَ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهَا بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ ، وَالْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا حَلَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ ، مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بِشَرْطِ الْعُذْرِ ، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ وَجَبَ زَوَالُ التَّخْيِيرِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ ، وَالتَّبَعُ لَا يُخَالِفُ أَصْلَهُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا إذَا كَانَ سَبَبُهَا مُبَاحًا ثَبَتَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَحْظُورًا ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْن قَتْلِهِ لِلضَّرُورَةِ إلَى أَكْلِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا لِلتَّخْيِيرِ .
الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الدَّمُ أَرْبَعُ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، يَجِبُ فِي الثَّلَاثِ مَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ .
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْمَذْهَبُ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ شَعْرُ آدَمِيٍّ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ، فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّق بِهِ الدَّمُ كَالرُّبْعِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الدَّمُ بِدُونِ رُبْعِ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّ الرُّبْعَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ وَلِهَذَا إذَا رَأَى رَجُلًا يَقُولُ: رَأَيْت فُلَانًا .
وَإِنَّمَا رَأَى إحْدَى جِهَاتِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ مَا