وَالْبَيْعُ حَرَامٌ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ ، جَازَ الشِّرَاءُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ ، فَفِي جَوَازِ إنْفَاقِهَا وَجْهَانِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفَاقَ الْمَغْشُوشَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } .
وَبِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَالِ .
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مَجْهُولٌ ، أَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْجَوَازِ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا ظَهَرَ غِشُّهُ ، وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ بِهِ جَائِزَةٌ ، إذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اشْتِمَالِهِ عَلَى جِنْسَيْنِ لَا غَرَرَ فِيهِمَا ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِمَا ، كَمَا لَوْ كَانَا مُتَمَيِّزَيْنِ .
وَلِأَنَّ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الْأَعْصَارِ ، جَارٍ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَفِي تَحْرِيمِهِ مَشَقَّةٌ وَضَرَرٌ ، وَلَيْسَ شِرَاؤُهُ بِهَا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَغْرِيرًا لَهُمْ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ مَعْلُومٌ ، بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ .
وَرِوَايَةُ الْمَنْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَخْفَى غِشُّهُ ، وَيَقَعُ اللَّبْسُ بِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ زُيُوفٌ ، مَا يَصْنَعُ بِهَا ؟ قَالَ: يَسْبِكُهَا .
قِيلَ لَهُ: فَيَبِيعُهَا بِدَنَانِيرَ ؟
قَالَ: لَا .
قِيلَ: يَبِيعُهَا بِفُلُوسٍ ؟ قَالَ: لَا .
قِيلَ فَبِسِلْعَةٍ ؟ قَالَ: لَا ، إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا .
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيَتَصَدَّقُ بِهَا ؟ قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا .
وَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلٍ ، وَذَلِكَ إنَّمَا كَرِهْتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا مُسْلِمًا .
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ