فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْمَاءَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدَّمَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا ، وَأَنَا جُنُبٌ .
فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي"الْمُسْنَدِ":"الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ".
وَعِنْدَهُمْ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَاَلَّذِي غُسِلَ بِهِ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ طَاهِرٌ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جُنُبٌ ، فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت ثُمَّ جِئْت ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنْت جُنُبًا ، فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ ، فَذَهَبْت فَاغْتَسَلْت ثُمَّ جِئْت .
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يُنَجِّسْهُ ، وَلَوْ مَسَّ شَيْئًا رَطْبًا لَمْ يُنَجِّسْهُ ، وَلَوْ حَمَلَهُ مُصَلٍّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ .
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ نَهَى عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ .
قُلْنَا: النَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ ، وَالِاقْتِرَانُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ ، لَا فِي تَفْصِيلِهِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ طَهَارَةً لِكَوْنِهِ يُنَقِّي الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَغْتَسِلْ