وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْآبِقِ .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِ الْفَحْلِ وَشَهْوَتِهِ .
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَاءُ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .
وَإِجَارَةُ الظِّئْرِ خُولِفَ فِيهِ الْأَصْلُ لِمَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْآدَمِيِّ ، فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ مِثْلَهُ .
فَعَلَى هَذَا إذَا أَعْطَى أُجْرَةً لِعَسْبِ الْفَحْلِ ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْطِي لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَهُ لِتَحْصِيلِ مُبَاحٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ ، فَإِنَّهُ خَبِيثٌ ، وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي حَجَمَهُ .
وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْكَسْحِ وَالصَّحَابَةُ أَبَاحُوا شِرَاءَ الْمَصَاحِفِ ، وَكَرِهُوا بَيْعَهَا .
وَإِنْ أَعْطَى صَاحِبَ الْفَحْلِ هَدِيَّةً ، أَوْ أَكْرَمَهُ مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ ، جَازَ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إذَا كَانَ إكْرَامًا فَلَا بَأْسَ } وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ
مُبَاحٌ ، فَجَازَ أَخْذُ الْهَدِيَّةِ عَلَيْهِ ،